القاضي التنوخي
195
الفرج بعد الشدة
وتغدّيت في ذلك اليوم مع البطريق ، وكان من عادتي أن أنصرف من عنده بعد غدائي إلى إخواني من المسلمين ، فنتحدّث ، ونأنس ، ونقرأ القرآن ، ونجمّع الصلوات « 10 » ، ونتذاكر الفرائض ، ويسمع بعضنا من بعض ما حفظ من العلم وغيره ، فانصرفت ذلك اليوم بعد غدائي إلى الموضع الّذي كنت أصير اليه وفيه المسلمون ، فلم أر فيه أحدا إلّا الكفرة ، فضاق صدري ضيقا تمنّيت معه أنّي كنت مع أصحابي ، فبتّ بليلة صعبة لم أطعم فيها الغمض « 11 » ، وأصبحت أكسف خلق اللّه بالا ، وأسوأهم حالا . وصار إليّ الرّسول في وقت الغداء ، فصرت إليه ، فتبيّن الغمّ في أسرّة وجهي ، ومددت يدي إلى الطعام ، فرأى مدّ يدي إليه ، خلاف مدّي الّذي كان يعرف ، فضحك ، ثمّ قال : أحسبك اغتممت لفراق أصحابك ؟ فأعلمته أنّه صدق ، وسألته : هل عنده حيلة في ردّهم إلى يده . فقال : إنّ الملك لم ير أن ينقل أصحابك من يدي إلى يد غيري إلّا ليغمّهم بما يفعل ، ومن المحال أن يدع تدبيره في الاضرار بهم ، لميلي إليك ومحبّتي لك ، وليس عندي في هذا الباب حيلة ، فسألته أن يسأل الملك إخراجي عن يده . وضمّى إلى أصحابي أكون معهم حيث كانوا . فقال : ولا في هذا أيضا حيلة ، لأنّي لا أستجيز أن أنقلك من سعة إلى ضيق ، ومن كرامة إلى هوان ، ومن نعمة إلى شقاء . فلمّا قال [ 140 غ ] ذلك ، تبيّن فيّ الانكسار وغلبة الغمّ ، فقال لي : بلغ بك الغمّ إلى النهاية ؟ فأخبرته : أنّه قد بلغ بي الغمّ ، أن اخترت الموت على الحياة ، لعلمي
--> ( 10 ) يريد أنّهم يصلّون جماعة . ( 11 ) في غ : فبتّ بليلة صعبة لم أطابق فيها بين أجفاني .